العودة للرئيسية

أحمد وهبي.. بلبل الأغنية الوهرانية الأصيلة

أحمد وهبي.. بلبل الأغنية الوهرانية الأصيلة
https://algerianculturalhome.dz/
11/12/2025
16 مشاهدة
لطالما فتنَه صوت والده وهو يؤذن بصوته الأجش العذب مناديا للصلاة، ولم يكن بمقدوره أن يصف المشاعر التي كانت تضطرم في قلبه الصغير؛ كانت مزيجا غريبا بين الرهبة واللذة، بين الخشوع والمتعة، بين الخشية والمحبة.. ربما كان هناك غرس في لا وعيه المبكر لحب الجمال، وعشق الفن النقي الأصيل.

“وهران”.. أمي التي لم تلدني
ولد الفنان الراحل “أحمد وهبي” واسمه الحقيقي “أحمد دريش التيجاني” يوم 18 نوفمبر 1921 بمدينة مرسيليا الفرنسية، من أب جزائري وأم فرنسية من أصول إيطالية. فقد والدته وهو لا يزال رضيعا لم يُكمل شهره الرابع، فاحتضنه بيت جده، حيث نشأ وتربى هو وأخته في كنف الحي العريق “المدينة الجديدة” بوهران الباهية، المدينة التي منحته الانتماء وصقلت ذائقته، فصار يعتبرها أمه التي لم تلده. وقد كانت بداية اهتمامه بالموسيقى ضمن صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية – فرع النجاح، الذي تأسس بوهران سنة 1937، حيث كان شبلاً فيه إلى جانب ثلة من الفنانين الراحلين، من بينهم: حمو بوتليليس وقادة مازوني. هناك، أدى الأناشيد الوطنية، وبدأ يشق طريقه بصبر وثبات نحو التألق، معتمدًا منذ البداية على الأصل: الشعر الملحون، في انفتاح وجداني مبكر على التراث الكامن في الكلام.

الغربة.. ميلاد فني لعملاق
سنة 1947، التحق أحمد وهبي بمعهد الموسيقى في باريس، وهناك تشبع بروائع الموسيقى العالمية ونمى طاقته وملكته الفنية. لكن مشواره الغنائي بدأ قبل ذلك، حين شارك سنة 1942 في الغناء ضمن الفرقة التي كان يقودها الفنان بلاوي الهواري، مؤديًا أغنية “ناداني قلبي” للموسيقار محمد عبد الوهاب. واستمر بعدها في تجربته الفنية رفقة المرحوم عبد القادر الخالدي، الذي التقاه في أواخر الأربعينيات، وأصبح كاتب كلماته الأول ورفيق دربه الإبداعي. ومن هنا، دخل وهبي عالم الاحتراف، ليصبح صوتًا جزائريًا متميزًا دون منازع، يُشار إليه بالبنان، ويُحتفى به أينما حل، بأغانيه الطربية الخالدة التي سكنت ذاكرة الناس، ومن أشهرها رائعة “وهران.. وهران” التي قص فيها تجربة والده مع الغربة، والتي لا تزال تلقى نفس الصدى والتأثير الذي أحدثته منذ خمسينيات القرن الماضي.

عميد الأغنية الوهرانية
لقد سمحت له أعماله القيمة بأن يُتوج عن جدارة عميدًا للأغنية الوهرانية، التي امتازت بجمالية الشعر الملحون، وروعة التلحين الذي مزج بين النغمة المحلية والمقام الشرقي، بصوت قراري قوي شد انتباه كبار الفنانين العرب. لقد حمل أحمد وهبي طابعا فنيا خاصا، ووضع بصمته المميزة، ليتحول إلى أحد أعمدة الأغنية الجزائرية الطربية، وأحد أبرز المساهمين في تطوير الأغنية الوهرانية، دافعا بها من المحلية إلى رحاب العالم العربي الرحب.

رحيل البلبل.. وبقاء الصدى
فقدت وهران ابنها البار، وصوتها الأصيل، عندليب الأغنية الوهرانية الأصيلة، يوم 28 أكتوبر 1993، بعد صراع مع المرض، لكنها لم تفقد إرثه الخالد، فقد ترك بصمات لا تُمحى، وأسس مدرسة فنية راسخة تتبع خطاها أجيال من الفنانين الذين أحبوا التراث، وواصلوا العطاء في سبيل تطويره وصونه من النسيان.